السيد حيدر الآملي
234
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ومنها ، ما سبق من قول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « كلّ ميسّر لما خلق له » 12 » . وقد سبق معناه مرارا . وكذلك سؤال داود عليه السّلام حين قال : يا ربّ لما ذا خلقت الخلق ، قال : لما هم عليه ( 125 ) .
--> ( 124 ) قوله : كل ميسّر لما خلق له . راجع التعليق 16 و 85 ، والجزء الأوّل التعليق 64 . ( 125 ) قوله : قال : لما هم عليه . روي الكليني في الأصول من الكافي ج 2 ص 5 باب طينة المؤمن والكافر الحديث 7 ، بإسناده عن إبراهيم ، عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السّلام قال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ لمّا أراد أن يخلق آدم عليه السّلام بعث جبرئيل عليه السّلام في أوّل ساعة من يوم الجمعة ، فقبض بيمينه قبضة ، بلغت ( فبلغت ) قبضته من السماء السابعة إلى الدنيا ، وأخذ من كلّ سماء تربة . وقبض قبضة أخرى من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة القصوى . فأمر اللَّه عزّ وجلّ كلمته فأمسك القبضة الأولى بيمينه ، والقبضة الأخرى بشماله فقلق الطين فلقتين ، فذرا من الأرض ذروا ، ومن السماوات ذروا ، فقال للَّذي بيمنه : منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصدّيقون والمؤمنون والسعداء ومن أريد كرامته ، فوجب لهم ما قال كما قال ، وقال للَّذي بشماله : منك الجبّارون والمشركون والكافرون والطواغيت ومن أريد هوانه وشقوته ، فوجب لهم ما قال كما قال . ثمّ إنّ الطينتين خلطتا جميعا ، وذلك قول اللَّه عز وجلّ : * ( إِنَّ اللَّه َ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ) * [ الانعام : 95 ] الحديث . وعنه البحار ج 67 ص 87 الحديث 10 . وروي الصدوق في « علل الشرائع » باب نوادر العلل ، ص 606 ، الحديث 81 ، بإسناده عن أبي إسحاق الليثي ، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في حديث طويل ، قال : « فكان ممّا خلق اللَّه عز وجلّ أرضا طيّبة ، ثمّ فجّر منها ماءا عذبا زلالا ، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها ، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبّقها وعمّها ، ثمّ نصب ذلك الماء عنها ، وأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الأئمّة عليهما السّلام ، ثمّ أخذ ثقل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا . . . خلق اللَّه عزّ وجلّ بعد ذلك أرضا سبخة خبيثة منتنة ، ثمّ فجّر منها ماءا أجاجا ، آسنا ، مالحا ، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت ، ولم تقبلها ، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبقها وعمّها ، ثمّ نضب ذلك الماء عنها ، ثمّ أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمّتهم ، ثمّ مزجه بثقل طينتكم . . . إلى أن قال : ( قال اللَّه عز وجلّ ) : فانّي أنا اللَّه لا إله إلا أنا ، عالم السرّ وأخفى ، وأنا المطَّلع على قلوب عبادي ، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحدا إلَّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه » . روي المجلسي هذا الحديث عن الصدوق في البحار ج 5 ص 228 . لا بأس في المقام أن ننقل كلاما عن النورين النيّرين ، العلمين الحكيمين ، العالمين الرّبانيّين ، والعارفين باللَّه سبحانه والخالصين له تعالى ، كأنّهما كانا كالسيّد حيدر الآملي رضي اللَّه عنه في عصرنا ، حشرهما اللَّه سبحانه وتعالى مع أجدادهما الطَّاهرين عليهم السّلام ، وهما : مولانا السيّد الإمام الخميني ومولانا السيّد العلَّامة الطباطبائي رضي اللَّه عنهما . قال العلَّامة الطباطبائي في تفسير « الميزان » ج 11 ص 338 في سورة الرعد ، في تفسير الآية : * ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ) * [ الرّعد : 17 ] أن الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الَّذي هو بمنزلة الرحمة السماويّة والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض ، خال في نفسه عن الصور والأقدار ، وإنّما يتقدّر من ناحية الأشياء أنفسها ، كماء المطر الَّذي يحتمل من القدر والصورة ما يطرء عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في الأقدار والصور ، فإنّما تنال الأشياء من العطيّة الإلهيّة بقدر قابليّتها واستعداداتها ، وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية . ثمّ إنّ هذه الأمور المسمّاة بالأقدار وإن كانت خارجة عن الإفاضة السماويّة مقدرة لها ، لكنّها غير خارجة عن ملك اللَّه سبحانه وسلطانه ، ولا واقعة من غير إذنه ، وقد قال تعالى : * ( إِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ ) * . وقال : * ( بَلْ لِلَّه ِ الأَمْرُ جَمِيعاً ) * [ هود : 31 و 123 ] . وقال في تفسير سورة النحل الآية 2 - ج 12 ص 208 : « فإنّ استعداد المستعد ليس إلَّا كسؤال السائل ، فكما أنّ سؤال السائل إنّما يقرّبه من جود المسؤول وعطائه ، من غير أن يجبره على الإعطاء ويقهره ، كذلك الاستعداد في تقريبه المستعدّ لإفاضته تعالى وحرمان غير المستعدّ من ذلك ، فهو تعالى يفعل ما يشاء من غير أن يوجبه عليه شيء أو يمنعه عنه شيء ، لكنّه لا يفعل شيئا ولا يفيض رحمة إلَّا عن استعداد فيما يفيض عليه وصلاحيّة منه » . وقال السيّد الإمام الخميني في رسالة « الطلب والإرادة » المطلب الخامس ، ص 141 : « فاعلم أنّ واجب الوجود بالذات لمّا كان واجبا من جميع الجهات والحيثيّات يمتنع عليه قبض الفيض عن الموضوع القابل ، فإنّ قبضه بعد تماميّة الاستعداد وعدم نقص في جانب القابل مستلزم لنقص في الفاعل أو جهة إمكان فيه تعالى عنه . وهذا اللَّزوم والوجوب كلزوم عدم صدور القبيح وامتناع صدور الظلم عنه اختياريّ إراديّ لا يضرّ بكونه مريدا مختارا قادرا ، فإذا تمّت الاستعدادات في القوابل أفيضت الفيوضات والوجودات من المبادئ العالية . وأمّا إفاضة الفيض الوجودي بمقدار الاستعداد وقابليّة المواد للتناسب بين المادّة والصورة للتركيب الطبيعي الإتّحادي بينهما لا يمكن قبولها صورة ألطف وأكمل من مقتضى استعدادها كما لا يمكن منعها عمّا استعدّت له . ثمّ اعلم أنّ منشأ اختلاف نفوس الإنسان في الحنين إلى الخيرات أو الشرور والميل إلى موجبات السعادة أو الشقاوة أمور كثيرة . ( ذكر من الأمور بعضها ) إلى أن قال : وبالجملة الإنسان بما أنّه واقع في دار الهيولى من بدء خلقه ، بل قبله حسب اختلاف الموادّ السابقة إلى زمان انتقاله من هذه النشأة واقع تحت تأثير الكائنات ، لكن كلّ ذلك لا يوجب اضطراره وإلجائه في عمل من أعماله الاختياريّة . . . إلى أن قال : أعلم أنّ اللَّه تعالى وإن أفاض على الموادّ القابلة ما هو اللائق بحالها من غير ضنّة وبخل والعياذ باللَّه ، لكنّه تعالى فطر النفوس سيعدها وشقيّها خيّرها وشريرها على فطرة اللَّه أي العشق بالكمال المطلق . فجبلَّة النفوس بقضّها وقضيضها إلى الحنين إلى كمال لا نقص فيه ، وخير لا شرّ فيه ، ونور لا ظلمة فيه ، وإلى علم لا جهل فيه ، وقدرة لا عجز فيها . وبالجملة الإنسان بفطرته عاشق الكمال المطلق وبتبع هذه الفطرة فطرة أخرى فيها هي فطرة الانزجار عن النقص أيّ نقص كان . ومعلوم أنّ الكمال المطلق ، والجمال الصّرف ، والعلم والقدرة وسائر الكمالات على نحو الإطلاق بلا شوب نقص وحدّ ، لا توجد إلَّا في اللَّه تعالى فهو المطلق وصرف الوجود وصرف كلّ كمال » . أقول : تدلّ على ما قاله أخيرا الآيات القرآنية التالية : * ( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) * [ الإسراء : 20 ] وقوله تعالى : * ( فِطْرَتَ اللَّه ِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) * [ الروم : 30 ] وقوله تعالى : * ( وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّه َ مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ ) * [ لقمان : 32 ] وقوله تعالى : * ( أَلا بِذِكْرِ اللَّه ِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * [ الرّعد : 28 ]